الصفحة الرئيسية

 

يفيدك التصفح الجيد بين المواقع من تجميع العديد من الملفات الخاصة بمشروع التربية و التعليم في مسجد الخليفة

 

Antete khalifa

 

مشروع مسجد الخليفة

      يقوم هذا المشروع الحضاري على عمارة بيت من بيوت الله بطلاب العلم و التأدب فيه بالإضافة إلى إقامة الصلاة المكتوبة و الجمعة،و لكي يتحقق ذلك نعطي فكرة حول دور المسجد التربوي لكل فئات المجتمع المسلم:

يقول الله تعالى :

{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} (36) سورة النــور

المقدمة

المسجد في المجتمع الإسلامي له أهمية كبرى ودور عظيم في تنمية المجتمع وترشيده، ولا يقل هذا الدور في أهميته عن أثر المسجد في تكوين الفرد المسلم، بل إن المسجد ميدان تعليم وتطبيق في لحظة واحدة…. ميدان تعلم حيث يتعلم المسلم فيه كيف يحترم شعور الآخرين وكيف ينضبط في الصف مع المصلين، وباهتمامه بالصلاة تعليم له على أحوال إخوانه المسلمين بالإضافة إلى أمور دينه وأخلاقياته إلى غير ذلك من جوانب حياته.

وفي المسجد يتم تطبيق ما تعلمه المسلم …. لأنه المكان اللائق الذي يجب أن يكون موضوع إجلال الجميع، وعلى النتائج الحاصلة من هذا التطبيق ينعكس في نفسية المسلم وعلى سلوكه ما يهدف إليه المسجد خارج حدوده، وهذا ما جعل من المسجد مكاناً هاماً له أثره الأكبر في بناء المجتمع الإسلامي.

لذا فإن المسجد لم يكن مكاناً لأداء الصلاة فقط، ولكن كان يمثل الموجه في بناء المجتمع من كل جانب بما توحيه الرسالة المحمدية، ففتح أبوابه للصلاة، ولتوجيه المجتمع توجيهاً إسلامياً سواء من خلال المنبر أو حلقات العلم والدرس أو الأحداث التي تجري داخله، إذا كانت الفرصة مهيأة للاجتماع والتعارف، وتقوية الروابط الأخوية بين المسلمين، فالصلاة وحدها والتي يظن البعض أنها علاقة بين العبد وربه، هي في الحقيقة شحنة روحية هائلة ودرس أخلاقي واجتماعي ونفسي يدفع الإنسان إلى الطريق الأفضل في حياته وعلاقاته مع الآخرين بسلوك يتسامى ويتعالى لأنه يستمد توجيهه من التربية الإسلامية.

وعلى هذا فإن المسجد قام بأدوار تربوية متعددة في المجتمع الإسلامي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين بشكل واضح ومؤثر أكثر من أي عصر مر بعد ذلك، وسنعرض لهذه الأدوار التربوية بدءاً بالتربية الإيمانية وانتهاءً بالتربية الإعلامية وبيان أسباب نجاح المسجد في أداء هذه الأدوار.

التربية الإيمانية للمسجد:

"إن الوظيفة الأولى للمساجد هي أنها أماكن عبادة، فيها يؤدي المسلمون صلواتهم وجمعهم أو جماعاتهم، ويقرءون القرآن ويذكرون الله. (بحوث مؤتمر رسالة المسجد، 1395هـ، ص222).

وصدق الله "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين". (التوبة: 18)

وعمارة المساجد تعني تشييدها وإقامتها وبنيانها، وبالتالي عمارتها العبادة والاجتماع فيها للجماعة، وبقراءة القرآن والذكر، والاعتكاف وهذا هو المعنى الأهم في العمارة.

إن مهمة المساجد هي كما بين الله سبحانه وتعالى بقوله "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة". (النور: 36).

ومن الآية نرى أن الله تعالى أذن أن ترفع بيوته بتعظيمها ورفع شأنها بالتقديس والتطهير وإقامة الشعائر الدينية فيها بعد رفع قواعدها وبنيانها.

وذكر الله فيها "عام" يشمل الصلاة نفسها والأذان وقراءة القرآن والتسبيح والدعاء والتضرع إلى الله تعالى.

ولذا حث الدين الإسلامي على ارتياد المساجد وحضور الجماعة فجعل ممن يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله – من كان قلبه معلق بالمساجد أي، بالتردد عليها وإقامة الصلاة فيها وعمارتها.

وروى مسلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح".

كل هذا لما فيه من اتصال العبد المؤمن بخالقه جل وعلا ولما فيه من القوة الروحية التي يفتقر إليها الإنسان، واستمرار الصلاة في المسجد إمداد للجماعة الإسلامية بالقوى التي لابد منها لإصلاح المجتمع.

"إلى جانب هذا ما تشتمل عليه الصلاة من أسرار في تكرارها وحكم بالغة حيث كررها خمس مرات يومياً لتكون "حماماً" روحياً للمسلم يتطهر بها من غفلات قلبه وأدران خطاياه". (القرضاوي، 1393هـ، ص214).

وليس أثر الصلوات مقصوراً على جانب واحد فقط بل هناك عدة جوانب منها النفسي، والجسمي، والعقلي.

فمناجاة العبد به وتذلله إليه واعترافه بخطاياه وطلب العفو والمغفرة وترك الدنيا جانباً عند الدخول إلى المسجد أمور تدخل إلى النفس طمأنينة وراحة تختل فيها وتريحها من عناء التفكير في الخطيئة والذنب.

"ومفتاح الصلاة الطهور : " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا. (القرضاوي، 1393 هـ، ص 217).

وهكذا فإن اشتراط التطهر للصلاة في الثوب والبدن والمكان أمر لا تتم الصلاة إلا به، وفي هذا ما فيه من النظافة التي تجلب الصحة للإنسان.

"ولا يأمر القرآن بمجرد الصلاة، ولكنه يأمر بإقامتها وتعبير الإقامة له مدلول كبير، فيه حضور القلب وإعمال الفكر وصفاء الروح وخشوع الجوارح وطهارة النفس والبدن، وهو الجو الذي يتيح للقرآن أن يصل إلى غايته، فيتسامى بالنفس فوق دوافع الجسد، ويحررها من أسرار شهواتها ويطهرها من الإثم والعدوان، ويسد فيها منافذ الشيطان ويكيف سلكوها ويطبعه بطابع القرآن.(محمد قطب، 1399 هـ – ص 190-191).

إن إبراز ملامح التفاف المسلمين حول المقاصد الإسلامية ووحدة العقيدة والكلمة هو هذا التوارد على الصلوات المكتوبة جماعة في المسجد حيث تترسخ العقيدة الإسلامية في القلوب وتتعمق روح التعاون وتقوى عرى التكافل في حياة المسلمين، وتنبثق الأخلاق الكريمة وتنتشر، بل وتتزايد في ظل الإخاء والتسامح والتساوي الذي يظهر أنه لا عنصرية ولا طبقية في الإسلام بل الجميع سواسية عند الله لا تفريق بينهم إلا بالتقوى. " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " (الحجرات : آية 131).

 

 

تابع(1)

 

التربية التثقيفية:

كان المسجد أعظم معاهد الثقافة لدراسة القرآن والحديث والفقه واللغة وغيرها من العلوم، وأصبح كثير من المساجد مراكز هامة للحركة العلمية، وانصرف بعض فقراء المسلمين لطلب العلم في المسجد النبوي الشريف حيث بنى الرسول الصفة " وهي مكان مظلل في شمالي المسجد يأوي إليه فقراء المسلمين الذين حبسوا أنفسهم لطلب العلم". (حسن إبراهيم حسن، 1964م، ص 421).

"ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجلس في المسجد النبوي بالمدينة لتعليم المسلمين أمور دينهم وتبصيرهم عاقبة أمرهم حتى كان مجلسه تنافساً بين الصحابة رضوان الله عليهم، كلهم يبغي السبق إلى حضور هذا المجلس العلمي والظفر بالإنصات إلى الدروس النبوية، وكان عليه السلام إذا صلى الصبح انصرف إلى موضوع الأسطوانة المسماة اليوم أسطوانة التوبة إشارة إلى توبة أبي لبابة حيث يتحلق حوله أصحابه حلقاً بعضها دون بعض وكان يحدثهم إلى طلوع الشمس. (مؤتمر بحوث رسالة المسجد، 1395هـ، ص 242).

كما كان الإمام مالك بن أنس يتبع خطى الرسول صلى الله عليه وسلم.

"لقد ورد أنه كان يجلس في أول انتصابه للعلم بالمسجد".(مؤتمر البحوث، 1395، ص 243).

في المسجد النبوي الأسطوانة التي كان يجلس إليها الرسول صلى الله عليه وسلم هذا إلى جانب غيره من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين جلسوا للتعلم في المسجد، ومن جاء بعدهم حتى إنشاء المدارس.

"وكان من الطبيعي بالنسبة لتطور مفهوم العلم في الإسلام أن تنشأ البذرة الأولى دينية محضة، فالناس بحاجة إلى تفهم الدين الجديد ومعرفة قواعده وأصوله، وفهم أهدافه ومراميه، ومن ثم فالمكان المناسب لذلك هو المسجد"

(سعيد إسماعيل علي، 1978، ص13).

"فكان المسجد أول مدرسة جماعية منظمة عرفها العرب لتعليم الكبار والصغار ولتربية الرجال والنساء.

(عبد الرحمن النحلاوي، 1399 هـ، ص1302).

ومن هنا نرى أن المسجد لم يكن للصلاة فقط بل كان إلى جانب أداء الصلاة مكاناً للتعليم و مدارسة القرآن الكريم وتفهم معانيه على يدي رسول الله عليه السلام وأصحابه الذين تعهدوا هذا العمل النبيل من بعده وحرصوا على استمرار رسالة المسجد العلمية ابتغاء وجه الله واتباعاً لسنة الرسول المعلم والمربي صلى الله عليه وسلم.

"ومن الثابت أن أهل العلم في القرون الأولى لم يتقاضوا رواتب من الحكومات فيما عدا ما نسمع عنه من الجوائز والصلات بين الحين والحين، وهذه ليست رواتب، وقد اعتمد العلماء على أنفسهم وعلى الجماعة  في شئون معاشهم ولا شك في أن الجماعة تكفلت بمعاش المعلمين".(حسين مؤنس، 1401هـ، ص36).

"وأشهر من امتاز بالعلم وتخصص للحياة العلمية وكثر بها أصحابه وتلاميذه : زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأخرج هؤلاء سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير بن العوام، ومن بعدهما ابن شهاب الزهري القرشي وغيره كثيرون"(سعيد اسماعيل علي، 1978، ص112).

ولقد كان من الطبيعي أن يكون المسجد هو مقر تعليم قراءة القرآن والحديث الشريف والتفسير وأوامر الدين ومن ينوب المسلمين نظراً لمكانة المسجد السامية التي أوجدها الإسلام. لذا فإنه لا يكاد يوجد مسجد يخلو من حلقات العلم والتعليم.

"وفي صحيفة همام بن منية :"أن عدد المساجد التي بنيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة مساجد، وأن أكثرها اتخذ مدارس للتعليم. (علي عبد الحليم محمود، ص45).

"وكان الحج يجمع المئات في أركان المسجد الحرام يجلسون للفتاوى بتدريس العلوم، وكذلك فعل التابعون من كبار الفقهاء وأصحاب الحديث ورجال التفسير حتى ذكر أن المسجد الحرام كان يغص في عهد الأمويين ….، والعباسيين من بعدهم بحلقات العلم، هذا يفسر القرآن، وذاك يروي … الحديث متصلاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يفضل مسائل الفقه أو غير بعيد منه إمام في العربية والشعر يتلو الشواهد ليثبت الحرف الأصيل بالكلمة الفصيحة مستنداً إلى آية من كتاب الله أو رواية عن رسول الله أو منقول من عربي أصيل". (مجلة رسالة المسجد، 1398هـ، ص15).

ويبدو لنا أن طلاب هذه الحلقات العلمية هم خليط من أفراد المجتمع الإسلامي لا طبقية بينهم ولا تفاضل، ولا يرد أحد عن الاستماع إلى ما يدور أو يدرس، ولا يمنع أحد من المناقشة وإبداء الرأي و الاستفسار عما خفي أو جهل.

"وأي جامعة شعبية كالمسجد تسع الجميع في رحابها، في الليل والنهار في الصيف والشتاء، ولا ترد طالباً شيخاً كان أو صبياً، ولا تشترط رسوماً ولا تأميناً، ولا تضع قيوداً ولا عراقيل".(يوسف القرضاوي، 1393هـ، ص226)

ولم تكن مدرسة المسجد قاصرة على تعليم الفقه وتفسير القرآن الكريم ورواية أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وشرحها وتدارس بعض العلوم الإسلامية، بل درست فيه العلوم والمعارف الأخرى كعلم الكلام وغيره.

"ومع مرور الأيام كانت تعقد في المسجد حلقات لدراسة الكيمياء والفيزياء والهندسة والفلك والطب وغيرها من العلوم ما تنهض به الجامعات الآن" (محمد علي قطب، ص49،50).

وغني عن البيان ذلك الدور الكبير الذي قام به المسجد منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل خدمة العلم والمتعلمين من أبناء الأمة الإسلامية مما يجعل الإنسان المسلم يفخر به خاصة في الوقت الذي لم تكن فيه مدارس نظامية ولم يكن للدولة دخل في العلوم والمعارف التي تدرس – جزى الله أهل العلم من علماء وفقهاء وأئمة خير الجزاء لما قاموا به من عمل جليل دونماً يسألون عن ذلك من الناس أجراً أو من الدولة مرتباً.

التربية الاجتماعية:

ينفرد المجتمع الإسلامي بنظامه الخاص – والعلة الرئيسية هي – "أنه مجتمع من صنع شريعة خاصة، جاءت من لدن إله، فهذه الشريعة التي وجدت كاملة منذ نشأتها غير مدرجة تدريجاً تاريخياً … هذه الشريعة هي التي أوجدت المجتمع وإقامته على أسسه التي أرادها الله لعباده لا التي أرادها بعض هؤلاء العباد لبعض، وفي ظل هذه الشريعة تم نمو الجماعة الإسلامية. ووجدت ارتباطات العمل والإنتاج والحكم، وقواعد الآداب الفردية والاجتماعية ومبادئ السلوك وقوانين التعامل … ووسائل مقومات المجتمع الخاصة التي تحدد نوعه وترسم له طريق النمو والتطور". (سيد قطب 1398هـ، ص 63).

وحري بالمسجد أن يقوم بدوره في بناء هذا المجتمع لأنه مركز التوجيه والإشعاع ومقر التخطيط لبناء المجتمع ومنبر الهداية والإرشاد لجميع من دخله من المسلمين دون تفريق بينهم.

إن من أول ما دعا إليه الإسلام عدم التفرقة بين المسلمين فقيرهم وغنيهم، عربيتهم وعجميتهم، ولم يفضل أحداً على أحد إلا بقدر تقوى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

وما من مكان يتجلى فيه هذا القانون الاجتماعي بصورة جلية مثل المسجد إذ يقف الجميع في صف واحد في الصلاة وقد ذابت وانصهرت جميع الفوارق التي تميز بعضهم عن بعض.

إن وحدة المجتمع الإسلامي وتكاتفه وقوته مستمدة من أمور منها عدم التفريق بين الأجناس والطبقات والأعمار، لذا أصبح هذا المجتمع كالجسد الواحد إذا اشتكى فيه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

ليس هذا في الصلاة فحسب بل حتى في المعاملات الشرعية والشخصية، والاجتماعية في الحياة.

إن المسجد هو المكان الطبيعي الذي يجمع المسلمين لغرض واحد وبنية خالصة خلف إمام واحد لا يتخلفون عليه، هذا الاجتماع الذي يوحي بالتآلف والوحدة، هو السبيل إلى السيطرة على طبائع النفوس ونزعاتها فبداخل المسجد يتربى المسلم على تطهر نفسه وتصحيح عقيدته في القرب من ربه، سراً وعلانية، وفي داخل المسجد يتربى المسلم على الاتصال بإخوانه المسلمين والسؤال عنهم… وتقوية الروابط الاجتماعية بينه وبينهم مما يجعله يهتم بجميع شؤونهم، وفي اجتماع المسلمين في المسجد يشعر الجميع بالقوة والانتماء للجماعة مما يجعل الفرد منهم يشعر بالطمأنينة ويحس بالراحة النفسية والكرامة والأمان.

ويتجسد خارج المسجد هذا الشعور الاجتماعي في تعامل المسلمين وتفاعلهم في شكل أمة واحدة داخل الفرد الواحد بحكم ما اكتسبوه من القيم والفضائل في المسجد.

إن اعتياد المسجد والتردد عليه ينعكس على سلوك الفرد في مجتمعه وبذلك يحمل الفرد المسلم في دخيلة نفسه روح الجماعة التي يقف معها بين يدي الله مما يجعله يسعى إلى الحفاظ على كيان المجتمع الذي هو جزء منه. وما الأمة إلا تلك المجتمعات المكونة من الأفراد.

والأمة الإسلامية هي الجديرة بأن تسمى أمة لما يربط بين أفرادها بعضهم البعض ومجتمعاتها بعضها البعض من الروابط والقوى التي منشأها الدين الإسلامي.

"والأمة هي المجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة وهي جنسيتها وإلا فلا أمة، لأنه ليست هناك آصرة تجمعها، والأرض، والجنس، واللغة والنسب، والمصالح المادية القريبة لا تكفي واحدة منها، ولا تكفي كلها لتكوين أمة إلا أن تربط بينها رابطة العقيدة". (سيد قطب، ص85).

وليس أدل على هذا القول من قوله تعالى" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" (آل عمران: آية110).

وقوله تعالى: " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون".(الأنبياء: آية92).

"ولم يكن المسجد مقصوراً على الذين تجب عليهم الصلاة شرعاً من الرجال بل لقد حرص الإسلام على رعاية الأطفال، فلقد كانوا يأتون المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يرعى شئونهم ويتلطف بهم ".(خير الدين وانلي، 1391هـ، ص124).

وكان يجوز في صلاته (أي يقصر) إذا سمع بكاء الصبيان "فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه". (رواه البخاري ومسلم).

ومن هنا نرى جواز حضور النساء الصلاة في المسجد والجلوس لسماع الخطب والوعظ والإرشاد وتلقي علوم الدين وتعاليمه.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها" (أخرجه الشيخان).

كما خصص الرسول للنساء دروساً خاصة وخاصة في العيدين حيث يكون جزء من الخطبة موجهاً لوعظ النساء وإرشادهن وذلك لاستحباب خروجهن مع الأطفال في صلاة العيد.

ولقد جعل النبي المسجد بمثابة مكتب للخدمة الاجتماعية وجميع التبرعات ومعاونة المحتاجين (إلى جانب أداء الصلاة فيه).

"حدث أن وفد عليه قوم عراة مجتابي النمار – أو القباء – متقلدي السيوف فتعمر وجهه – أي تغير – لما رأى ما بهم من الفاقة، فأمر بلال فأذن وأقام ثم صلى ثم خطب في الناس حاثاً لهم على رعاية الرحم وتقدير الخير، فانهالت التبرعات من الدنانير والثياب والبر والتمر حتى تكون كومان عظيمان من الطعام والثياب، فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم و أعطى القوم حتى سروا".(سعيد إسماعيل علي، 1978، ص101).

ولئن كانت المؤسسات الاجتماعية "اليوم" تبذل قصارى جهدها للاهتمام بالفئات التي تحتاج إلى الرعاية والعناية الاجتماعية من المعوقين والفقراء والمعوزين والمرضى والغرباء واليتامى ممثلة في دور الرعاية الاجتماعية فإننا نرى المسجد النبوي قبيل خمسة عشر قرناً من الزمان كان يقوم بهذا الدور على أكمل وجه، كما كان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم مقام … الجمعيات الخيرية في جمع الزكاة والصدقات من الموسرين والمنفقين وتوزيعها على مستحقيها من الفقراء والمساكين وغيرهم من مصارف الزكاة.

ولقد وجدت في المسجد وفي مؤخرته على وجه التحديد "الصفة" يأوى إليها الغرباء والمعدمون ويجدون فيها الطعام والشراب والكساء والمبيت كما كانت الصفة هذه مكاناً لإقامة الذين حبسوا أنفسهم لطلب العلم|.

"والصفة مكان مظلل في شمالي المسجد يأوى إليه فقراء المسلمين".(حسن إبراهيم حسن، 1964، ص421).

ويبدو لنا من الحادثة السابقة مدى تأثير الخطبة التي ألقاها الرسول في المسلمين والتي يهيب فيها بالمسلمين التبرع ومساعدة المحتاجين، ولم يتأخر أحد في تقديم ما تجود به نفسه استجابة لمطلب الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولم تكن هذه الخطب إلا واحدة من خطب مثيلة لها في التأثير والاستجابة في مختلف شئون الحياة الإجتماعية والدينية والأخلاقية ومن هذا نجد مبدأ التكافل الاجتماعي يتخذ طريقاً له في  المجتمع الإسلامي من خلال المنبر بشكل لا يتحقق فيها لو كان في مكان غير المسجد.

ولهذا بقيت المجتمعات المسلمة قوية متماسكة في ظل الظروف حتى بعد أن اندثرت الدولة وانهارت النظم الإدارية التي كانت تنظم للناس أمور معاشهم لأن كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي يحمل في أعماق روحه روح الجماعة التي تفرض عليه مد يد العون لأخيه المسلم دون أن يسأله من هو أو من أين أو ما إلى ذلك، بل يسار إلى تفريج كربته لأنه يعلم أنه يدين بعقيدة التوحيد مثله سواء بسواء. ومن هنا جاءت عظمة هذا الدور الذي قام به المسجد.

"إن النظام الاجتماعي الإسلامي قد انبثق من العقيدة الإسلامية وتكيف وجوده بالشريعة الإسلامية، يجب أن يظل دائماً خاضعاً في نموه وتجديده – للأصل الذي انبثق منه وللشريعة التي كيفت وجوده، يجب أن تكون الشريعة الإسلامية هي المسيطرة على كل تطور في نظام المجتمع الإسلامي".(سيد قطب 1398هـ، ص 138).

وما دام المجتمع يؤمن بعقيدة التوحيد ولا يرضى غيرها – بل جعلها نبراس حياته العامة والخاصة واتسم بها سلوك الفرد والجماعة فإن عقيدة التوحيد هذه –بكل إشعاعاتها– تسيطر سيطرة تامة على كل جوانب النظام الاجتماعي الإسلامي، وتحدد مقوماته وخصائصه وآدابه ومعاملاته وحقوقه وواجباته والعلاقات والارتباطات في هذا النظام بكل صوره …. وأشكاله.

من هذا كله يتضح لنا الدور الاجتماعي الذي كان يقوم به المسجد باعتباره جزءاً من دوره التربوي في المجتمع الإسلامي.

كما يتضح أن هذا الدور – الدور الاجتماعي – سار جنباً إلى جنب وباتزان بديع مع الأدوار التربوية الأخرى التي كان يقوم بها المسجد في المجتمع الإسلامي.

تابع (2)

التربية الصحية :

لقد اعتنى الإسلام بالمسلمين من جميع نواحي الشخصية الإسلامية الروحية والعقلية والجسدية، ولقد ظهرت عنايته هذه بتوجيهاته وأهدافه التربوية التي اتصفت بالشمولية والتكامل والتوازن.

فمن الأمور التي اهتم بها الدين الإسلامي "النظافة" في الملبس والبدن والمكان، وفي ذلك ما فيه من الصحة الجسدية من الأمراض والأوبئة وفيه من الصحة النفسية ما يجلب للنفس الراحة والطمأنينة والهدوء.

وفي النظافة استئناس الآخرين وعدم نفورهم لأن النفس تنفر من الأقذار والأدران أشد من نفورها من أي شيء آخر مهما عظم.

"ولقد اعتبر الإسلام النظافة من الإيمان. روي قول الرسول لأمته: "تنظفوا فإن الإسلام نظيف".(يوسف القرضاوي، 1393هـ، ص 217).

وأثنى القرآن على أهل مسجد قباء والمسجد النبوي بحرصهم على التنظف" لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه. فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين".(التوبة : آية 108).

والصلاة ليست عبادة روحية فحسب، إنها نظافة وتطهر، وتزين وتجمل، اشترط الله لها تطهر الثوب والبدن والمكان من كل خبث مستقذر أوجب التطهر بالغسل والوضوء. قال تعالى :" يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد".(الأعراف : آية 31). والمقصود عند تهيؤكم للصلاة لا بد أن تتزينوا.

ومن السنة أن يغتسل المصلي ويتطيب ويلبس أحسن ما عنده ولا يمضي إلى المسجد في ثياب مهنته، خاصة إذا كانت مهنته تترك أثراً في الثياب.

"كما استحب للمصلي أن يتسوك عند كل صلاة: " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب".(القرضاوي، 1393هـ، ص218).، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي".(رواه ابن ماجه).

ويبدو لنا حرص الإسلام على استخدام السواك وذلك لما فيه من الفائدة الصحية للبدن عن طريق تنظيف الفم والأسنان.

"ولو نظرنا إلى (السواك) من الناحية الطبية لوجدنا هذا النبات يتكون كيميائياً من ألياف السليلوز وبعض الزيوت الطيارة، وبه راتنج عطري وأملاح معدنية أهمها: كلوريد الصوديوم، وكلوريد البوتاسيوم واكسالات الجير".(عفيف طبارة، 1978، ص 433).

والنبات المقصود هنا النبات الذي يؤخذ منه السواك وهو ما يعرف بشجر "الأراك" وله ألياف دقيقة.

هذه الفوائد الصحية من آثار الوضوء والسواك تعود على الجسد بالصحة أو الوقاية من المرض.

وهناك جانب نفسي يعود على النفس من التردد على المسجد وفي داخل المسجد وقيل هذا أثناء تأهب المصلي للذهاب إلى المسجد وفي الصلاة راحة نفسية عظيمة مما يختلج في النفس من الهموم.

"ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة".(القرضاوي، 1393هـ، ص219).

والصلاة التي تذهب الهم والحزن ويجد فيها المصلي الراحة النفسية التي ينشدها من همومه وضيق صدره إنما هي الصلاة التي تتم بخشوع وتضرع إلى الله بعد اكتمال شروطها وواجباتها حتى يصل العبد إلى درجة الاتصال، بخالقه، قال تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب". (الرعد : آية 28).

وذكر الله له أثر كبير في تربية النفس وتعديل السلوك، فالذي – يذكر الله ويتصور عظمته وجلاله  يخشع قلبه ويحسب لملاقاته كل حساب فلا يصدر عنه من الأفعال إلا كل خير، ومن ذلك لا يتسرب إلى نفسه القلق والاكتئاب وما شابه ذلك من الأمراض النفسية.

ويظهر لنا مما سبق مدى اهتمام الإسلام بالصحة الجسدية والنفسية من خلال الصلاة، ولذا فقد حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أداء الصلاة كما أرادها الإسلام لما وجدوه من الفائدة الكبرى في صحة أجسادهم وراحة نفسياتهم من أدائهم لها.

ومن ذلك يتبين الدور الصحي الذي يؤديه المسجد في المجتمع الإسلامي كما كان يقوم على عهد رسول الله – مقام المستشفيات العسكرية التي يمرض فيها الجرحى والمرضى من آثار المعارك والغزوات التي كانت تدور بين المسلمين وأعدائهم.

"فقد كان بالمسجد خيمة السيدة رفيدة الصحابية التي كانت تقوم بتمريض الجرحى وتضميد جروحهم ، وأيضاً خيمة لبنى غفار، وكذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تضرب خيمة بالمسجد لسيدنا سعد بن معاذ لما أصيب في "أكحله" يوم الخندق ليكون قريباً منه فيرعاه ويعوده".(مجلة البحوث، 1395، ص 225).

هكذا كان المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقراً لتمريض أصحابه إضافة إلى الجانب الذي ذكرنا – جانب الصحة الجسدية والنفسية التي تعود على المسلم من أدائه للصلاة والتجهيز لها من غسل ولبس وطهارة وسواك ومناجاة للرب واعتراف بالذنوب والخطايا وطلب العفو والمغفرة وتضرع بقبول التوبة ومعاهدة على الإخلاص في العمل وعدم العودة إلى ارتكاب الخطأ واقتراف الذنب.

 

التربية الإعلامية للمسجد:

إن المجتمع الإسلامي – وهو في طور التكوين – في حاجة إلى معرفة كثير من الحقائق والأمور التي تكشف لأفراده حقيقة هذا التكوين.

وإذا علمنا أن رسالة الإسلام رسمت الطريق لقيام هذا المجتمع – الإسلامي – وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يستقبل الأوامر من ربه عن طريق الوحي، إذا علمنا هذا يتبين لنا أهمية الوسيلة التي تصل بها هذه الأوامر إلى الناس في ذلك المجتمع. ولن تكون هناك وسيلة أقوى وأنجح من المسجد … إذ أن المسلم يرتاد المسجد في اليوم والليلة خمس مرات، ويجتمع المسلمون جميعاً في المسجد يوم الجمعة وفي المسجد تملى الأوامر وتبلغ إلى المسلمين على هيئة آيات يتلوها الرسول صلى الله عليه وسلم أو أحاديث يبلغها إليهم، أو توجيهات وإرشاد يشير إليها صلى الله عليه وسلم.

ولقد كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤدي هذا الدور الإعلامي إلى جانب إقامة الصلاة فيه، وإلى جانب الأدوار التربوية الأخرى سواء الاجتماعي أو التعليمي أو الصحي أو العسكري أو الخلقي.

"وإذا كنا نقول اليوم –إن أبرز مجموعة الأهداف التي تتجه إليها وسائل الإعلام– مقروءة أو مسموعة أو مرئية هي:

* الإعلام أو الأخبار.

* التوجيه والإرشاد.

* التفسير والإيضاح.

* التثقيف.

فمن الحق أن يقال إن الأحاديث النبوية الكريمة، وإن الخطب قد أتت على هذه الأهداف "الجادة" جميعها.. بحيث تحققت هذه الأغراض تماماً من خلال الوسيلتين".(مجلة الفيصل، 1398هـ، ص 21).- (ويقصد بها الأحاديث النبوية والخطب).

ونظراً لأنه لا توجد وسائل إعلام –كالتي تعرف اليوم– فلقد أدى المسجد دوراً إعلاميا كبيراً، إذ لا يوجد مكان يجتمع فيه الناس اجتماعاً موقوتاً كالمسجد.

ولقد ألف المجتمع الإسلامي –آنذاك– تلقي الأوامر والأخبار والتوجيهات في المسجد سواء قبل الصلاة أو بعدها مباشرة، كما ألف النداء في وقت غير وقت الصلاة إما لأهمية الأمر أو خطورته.

"وكان كلما جد أمر يستدعي اطلاع المجتمع عليه أو أخذ رأيه فيه نودي أن: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، فيجتمع المسلمون بالمسجد ويتم الغرض الذي نودي على الناس بالاجتماع من أجله، إن إعلاماً أو توجيهاً أو شورى، في المسجد نفسه". (مجلة رسالة المسجد، ص48). "وتذاع الأنباء التي تهم الأمة". (القرضاوي، 1393هـ، ص233).

"ومن دور المسجد الإعلامي إعلان النكاح فيه كما أُثر ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانوا يعقدون فيه عقود زواجهم امتثالاً للحديث الشريف: (أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدف".(القرضاوي، مرجع سابق، ص227)

ولا يفوتنا أن نوضح أن إعلان الحدود في ساحة المسجد أو بالقرب منه، بعد الصلاة، يعتبر من الإعلام وكذلك القول في الصلاة على الميت في المسجد حيث إنه إعلام بوفاة أحد.

وهذا دور إعلامي هام، وتربوي له أكبر الأثر في حياة المجتمع لما في ذلك من التذكير والاتعاظ، والتشهير بالذي أقيم عليه الحد ليرتدع من رآه أو سمع به.

وهكذا يتبين لنا الدور الإعلامي الذي كان يؤديه المسجد في المجتمع الإسلامي الأول. وهو دور له أهميته وأثره في بناء المجتمع الإسلامي على الخطة والقواعد التي رسمتها التربية الإسلامية المستمدة أهدافها من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

 

تابع(3)

التربية الجسمية والجمالية:

فالصلاة بحركاتها وما يسبقها من غسل ووضوء وطهارة للثوب والمكان، تحفظ للإنسان صحته، وتعمل على سلامة بنيته، فقد سبق هذا المنهج النظم الصحية في العناية بالنفس الإنسانية، ووجوب المحافظة عليها لوقايتها من الأمراض، وهذا ما يسمى حديثاً "بالطب الوقائي"، ومعالجتها مما يصيبها من أمراض، وهذا ما يسمى "بالطب العلاجي". والصلاة ذات طابع جمالي سواء في حركاتها أو سكناتها أو في الاستعداد لها. قال تعالى: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد…" (الأعراف: 31).

بمعنى أن المسلم يجب أن يتهيأ لأداء هذه العبادة، ,أن يتزين عند كل صلاة. ولا سيما يوم الجمعة، ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك ومن أفضل اللباس البياض. (ابن كثير، 1407هـ، جـ2، ص15).

وهكذا كان المسجد ومازال المؤسسة التربوية التي تقوم بإعداد المسلم الإعداد المتكامل، الذي يساعد على التكيف مع الحياة، من خلال تكيفه مع نفسه ومع مجتمعه، وفق استعداداته وقدراته، ودون تقيد بسن معين أو مستوى معرفي محدد، وبذلك يحقق المسجد الأبعاد الثلاثة التي تهدف التربية إلى تحقيقها:

- البعد النفسي: وهو التعلم وفق القدرات والاستعدادات.

- البعد الاجتماعي: وهو إعداد الفرد للمشاركة وبذل الجهد في الحياة العامة.

- والبعد التكاملي: أي التكامل في الإعداد حيث إن الإسلام ينظر إلى الفرد على أنه وحدة متكاملة.

لذلك جمعت التربية الإسلامية بين جميع هذه الجوانب (الجسمية، والعقلية، والروحية)، وقام المسجد بتنمية جميع هذه الجوانب، وتخرج من تلك المدرسة الإسلامية الكثير ، فتاريخ المسجد في الإسلام حافل بأعظم ما في التراث الحضاري الإسلامي من خصائص وقيم مازالت تبهر العالم حتى اليوم.

ومن هنا فإن الأثر التربوي للمسجد يتجلى في الجانب الروحي، والجانب الخلقي، والجانب العقلي، والجانب العلمي، والسياسي، والجانب الجمالي، والاجتماعي، بالإضافة إلى توثيق الصلة الاجتماعية بين أفراد المجتمع المسلم.

قائمة المراجع

      القرآن الكريم .

1-  ابن كثير، أبو الفداء عماد الدين إسماعيل. (1407هـ). "تفسير القرآن العظيم". بيروت، دار المعرفة.

2- ابن ماجه، محمد بن يزيد، (د.ت). "السنن"، ترتيب وتحقيق وترقيم، محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار المعرفة.

3- البخاري، محمد بن إسماعيل. (1379هـ). "الصحيح الجامع"، بيروت، دار المعرفة.

4- البشير، عبد الله. (1980م). "التربية في المسجد والكتاب والخلوة". مركز البحوث التربوية والنفسية، مكة المكرمة.

5- حسن، إبراهيم حسن (1964م). "تاريخ الإسلام. ج4، القاهرة، مكتبة النهضة.

6-الخطاب، شيت محمود. (1401هـ). "الوسيط في رسالة المسجد العسكرية". ط7،59- علي،     سعيد إسماعيلي. (1978م). "أصول التربية الإسلامية". القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر.

7-طبازة، عبد الفتاح عفيف. (1978م). "روح الدين الإسلامي". بيروت، دار العلم للملايين.

8-علي، سعيد إسماعيل. (1978م). "معاهد التعليم الإسلامي". القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر.

9-القرضاوي، يوسف. (1393هـ). "العبادة في الإسلام". بيروت، مؤسسة الرسالة.

10-  قطب، سيد. (1398هـ). "نحو مجتمع إسلامي". ط3، بيروت، دار الشروق.

11-  قطب، محمد. (1399هـ). "منهج القرآن في التربية"، بيروت، مؤسسة الرسالة.

12-  مؤنس: حسين، (1401هـ). "المساجد"، سلسلة عالم المعرفة، الكويت.

13-  محمود، علي عبد الحليم. (1413هـ)، "فقه الدعوة إلى الله". ط4، بدون ذكر الناشر.

14-  محمود، علي عبد الحليم. (د.ت). "المسجد وأثره في المجتمع الإسلامي". القاهرة، دار المعارف.

15-  مسلم: بن الحجام بن مسلم القشيري. (1375هـ). "السحيح". تحقيق وترقيم، محمد فؤاد عبد  الباقي، بيروت، دار المعرفة.

16-  النحلاوي، عبد الرحمن. (1403هـ). "أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع" ط2، دمشق، دار الفكر.

17-  وائلي، خير الدين. (1391هـ). "المسجد في الإسلام، رسالته، نظام بنائه، أحكامه، آدابه، بدعه". د.ن. 

ملخص

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد ارتبط تاريخ الأمة الإسلامية بالمسجد ارتباطاً وثيقاً لأن الإسلام لم يقصر رسالة المسجد على أداء الصلاة فحسب بل أراد أن يكون له دور إيجابي وأهداف سامية تخدم المجتمع الأساسي ، فبالإضافة إلى أداء الصلاة فهو مكان لتلاوة القرآن الكريم ومعهد للعلم ومجلس للقضاء وملتقى التعاون والتكافل ومكان للرأي والمشورة .

وقد أضاف الله عز وجل إلى نفسه المساجد إضافة تشريف وإجلال قال سبحانه وتعالى :

" وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا " الجن 18 وعليه فإن بيوت الله تعالى هي أحب الدفاع إليه سبحانه منها يشع النور ومنها يسطع الحق والهدى والخير فقد روى مسلم – رحمه الله – عن أبي هريرة – رضي الله عنه أن النبي e قال : " أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها ".

( مسلم : 1375هـ ) كتاب المساجد 1/264 حديث رقم 671 لذلك نرى أن المسجد في المجتمع الإسلامي له أهمية كبرى ودور عظيم في تنمية المجتمع وترشيده ولا يقل هذا الدور في أهميته عن أثر المسجد في تكوين الفرد المسلم بل إن المسجد ميدان تعليم وتطبيق في وقت واحد.

كان المسجد أعظم معاهد الثقافة لدراسة القرآن والحديث والفقه واللغة وغيرها من العلوم، وأصبح كثير من المساجد مراكز هامة للحركة العلمية، وانصرف بعض فقراء المسلمين لطلب العلم في المسجد النبوي الشريف حيث بنى الرسول الصفة " وهي مكان مظلل في شمالي المسجد يأوي إليه فقراء المسلمين الذين حبسوا أنفسهم لطلب العلم". (حسن إبراهيم حسن، 1964م، ص 421).

"ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجلس في المسجد النبوي بالمدينة لتعليم المسلمين أمور دينهم وتبصيرهم عاقبة أمرهم حتى كان مجلسه تنافساً بين الصحابة رضوان الله عليهم، كلهم يبغي السبق إلى حضور هذا المجلس العلمي والظفر بالإنصات إلى الدروس النبوية، وكان عليه السلام إذا صلى الصبح انصرف إلى موضوع الأسطوانة المسماة اليوم أسطوانة التوبة إشارة إلى توبة أبي لبابة حيث يتحلق حوله أصحابه حلقاً بعضها دون بعض وكان يحدثهم إلى طلوع الشمس. (مؤتمر بحوث رسالة المسجد، 1395هـ، ص 242).

"وفي صحيفة همام بن منية :"أن عدد المساجد التي بنيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة مساجد، وأن أكثرها اتخذ مدارس للتعليم. (علي عبد الحليم محمود، ص45).

وغني عن البيان ذلك الدور الكبير الذي قام به المسجد منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل خدمة العلم والمتعلمين من أبناء الأمة الإسلامية مما يجعل الإنسان المسلم يفخر به خاصة في الوقت الذي لم تكن فيه مدارس نظامية ولم يكن للدولة دخل في العلوم والمعارف التي تدرس – جزى الله أهل العلم من علماء وفقهاء وأئمة خير الجزاء لما قاموا به من عمل جليل دونماً يسألون عن ذلك من الناس أجراً أو من الدولة مرتباً.

لقد اعتنى الإسلام بالمسلمين من جميع نواحي الشخصية الإسلامية الروحية والعقلية والجسدية، ولقد ظهرت عنايته هذه بتوجيهاته وأهدافه التربوية التي اتصفت بالشمولية والتكامل والتوازن.

فمن الأمور التي اهتم بها الدين الإسلامي "النظافة" في الملبس والبدن والمكان، وفي ذلك ما فيه من الصحة الجسدية من الأمراض والأوبئة وفيه من الصحة النفسية ما يجلب للنفس الراحة والطمأنينة والهدوء.

قال تعالى :" يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد".(الأعراف : آية 31). والمقصود عند تهيؤكم للصلاة لا بد أن تتزينوا.

ومن السنة أن يغتسل المصلي ويتطيب ويلبس أحسن ما عنده ولا يمضي إلى المسجد في ثياب مهنته، خاصة إذا كانت مهنته تترك أثراً في الثياب.

"كما استحب للمصلي أن يتسوك عند كل صلاة: " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب".(القرضاوي، 1393هـ، ص218).، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما جاءني

جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي".(رواه ابن ماجه).

ومن ذلك يتبين الدور الصحي الذي يؤديه المسجد في المجتمع الإسلامي كما كان يقوم على عهد رسول الله – مقام المستشفيات العسكرية التي يمرض فيها الجرحى والمرضى من آثار المعارك والغزوات التي كانت تدور بين المسلمين وأعدائهم.

"فقد كان بالمسجد خيمة السيدة رفيدة الصحابية التي كانت تقوم بتمريض الجرحى وتضميد جروحهم ، وأيضاً خيمة لبنى غفار، وكذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تضرب خيمة بالمسجد لسيدنا سعد بن معاذ لما أصيب في "أكحله" يوم الخندق ليكون قريباً منه فيرعاه ويعوده".(مجلة البحوث، 1395، ص 225).

هكذا كان المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقراً لتمريض أصحابه إضافة إلى الجانب الذي ذكرنا – جانب الصحة الجسدية والنفسية التي تعود على المسلم من أدائه للصلاة والتجهيز لها من غسل ولبس وطهارة وسواك ومناجاة للرب واعتراف بالذنوب والخطايا وطلب العفو والمغفرة وتضرع بقبول التوبة ومعاهدة على الإخلاص في العمل وعدم العودة إلى ارتكاب الخطأ واقتراف الذنب.

وهكذا كان المسجد ومازال المؤسسة التربوية التي تقوم بإعداد المسلم الإعداد المتكامل، الذي يساعد على التكيف مع الحياة، من خلال تكيفه مع نفسه ومع مجتمعه، وفق استعداداته وقدراته، ودون تقيد بسن معين أو مستوى معرفي محدد، وبذلك يحقق المسجد الأبعاد الثلاثة التي تهدف التربية إلى تحقيقها:

- البعد النفسي: وهو التعلم وفق القدرات والاستعدادات.

- البعد الاجتماعي: وهو إعداد الفرد للمشاركة وبذل الجهد في الحياة العامة.

- والبعد التكاملي: أي التكامل في الإعداد حيث إن الإسلام ينظر إلى الفرد على أنه وحدة متكاملة.

لذلك جمعت التربية الإسلامية بين جميع هذه الجوانب (الجسمية، والعقلية، والروحية)، وقام المسجد بتنمية جميع هذه الجوانب، وتخرج من تلك المدرسة الإسلامية الكثير، فتاريخ المسجد في الإسلام حافل بأعظم ما في التراث الحضاري الإسلامي من خصائص وقيم مازالت تبهر العالم حتى اليوم.

ومن هنا فإن الأثر التربوي للمسجد يتجلى في الجانب الروحي، والجانب الخلقي، والجانب العقلي، والجانب العلمي، والسياسي، والجانب الجمالي، والاجتماعي، بالإضافة إلى توثيق الصلة الاجتماعية بين أفراد المجتمع المسلم.

المصدر:

دور المسجد

في التنمية المهنية والعلمية

إعداد

الدكتور أنور نصار

جامعة القدس المفتوحة